وحدث في الأيام التي أراد الله أن يُجرِّب إبراهيم ويعلم قلبه ومحبته فيه، أنه قال له : إبراهيم يا إبراهيم خذ ابنك وحيدك إسحق الذي تحبه وقدّمه لي محرقة على الجبل الذي أُعلِمَك به. فقام إبراهيم ليلاً ولم تشعر به سارة فتمنعه من إنجاز أمر الرب وأسرج دابته وأخذ ناراً وحطباً وسكيناً واثنان من غلمانه وإسحق ابنه، فرأى الموضع من بعيد فقال الغلاميه :اجلسا أنتما هنا عند الدابة ، أما أنا وابني إسحق فنذهب ونسجد ثم نرجع إليكما.
وأنزل إبراهيم إسحق ابنه من على الدابة وأخذ النار والحطب ووضعهما على عنقه، ثم حلّت به الأفكار شأن كل إنسان، فقال في نفسه ألهذا السبب ولدتُك يا ولدي؟ لقد كنّا عائشين بدونك وكان لنا حزن فإذا جئتَ وذهبتَ فكم يكون حزننا، ولقد قلت إنه انقضت أتعابي ولم يعد يبقى لي سوى أن أموت بسلام، ولكن كانت أعظم تجربة باقية أمامي يا ولدي.
لو كنتَ مُتَّ موتاً طبيعياً لكان حزني مؤلماً عليَّ، ولكن لم يكن لي معذرة في هذه القساوة عليك وذبحك وتقطيعك وتحويلك إلى رماد، وأنا الكائن الذي أذبحك وأقطعك وأحرقك يا ولدي.
وماذا أقول لأمك سارة التي أخذتك منها خفية وتنتظر أن تراك بعد الغيبة، وهي الآن تتقلب على جمر من النار وتفتح يداها لتضمك إلى صدرها الحنون، وعندما تراني إنني وحدي بدونك فكيف يكون حالها يا ربي؟
وماذا يقول الناس عني في مستقبل الأيام، إنهم يقولون إنني مخلوق بلا قلب لأني تجاسرت وذبحت ابني، يا ليتك يا ولدي مُتَّ موتاً طبيعياً ولم تتلوث يداي بدمائك، وأنا في سن الشيخوخة وما يُنَفَّذ الوعد القائل إن بنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. وكيف إذا سألني ابني إلى أين أنت ذاهب يا أبتي أو أين الخروف الذي نقدمه للمحرقة فماذا أقول يا ربي؟
وبينما إبراهيم مفكراً بهذه الأمور إذ بالذي خائف منه يقع فيه، إذ سأله إسحق سؤالاً قطَّع أحشاؤه قائلاً: ها هي النار وذاك هو الحطب وتلك هي السكين وأين الخروف الذي نقدمه للمحرقة يا أبي؟ فقال إبراهيم: أنطيع أمر الله أم نخالفه. فقال له إسحق : إطاعة الله أمر واجب. فقال له: إذن أنت خروف المحرقة يا ولدي.
وبينما كان إبراهيم سائراً إذ قابله الأصحاب والجيران قائلين: إلى أين أنت ذاهب يا إبراهيم؟ أأنت ذاهب لتزوِّج ابنك من بنات الكنعانيين، أم لتتنزه في الرياض والبساتين. فلم يجبهم إلا بدموع تتساقط على خديه... أواه يا ولدي.
ألأجل هذا حصلت عليك بوعد خصوصي و دَعَتك أمك بابن الفرح، ولكنك ابن الحزن. فلماذا يا إلهي لم تطلب مني كل ما أملك عوضاً عنه، يا ليتني أستطيع أن أفديك بدمي.
ولما وصل المكان أخذ إبراهيم حجارة، وبنى مذبحاً للرب وكتّف يدي ابنه إسحق ورجليه ووضعه على المذبح. فقال إسحق لأبيه: يا أبتِ أتذبحني في أرض غريبة، وإن كان لابد من الذبح فدَعني أقبّل أمي سارة لأنها لم تراني وأنا معك لئلا تموت حزناً عليَّ، وأنا الآن مشتاق إليها، وإلا عند رجوعك اقرئها سلامي وقل لها إسحق مات وهو مشتاق إليك. فإبراهيم رجل الإيمان لم تمنعه هذه الأقوال التي كانت تمزق أحشاؤه، بل آمن بالله فحُسب له براً ، وأخذ السكين ليذبحه.
وإذا ملاك الرب صرخ نحو إبراهيم قائلاً له : إبراهيم يا إبراهيم أنظر لا تلمس فتاك ولا تصنع به شراً، ومن حيث رأى الرب محبتك فيه قال: إني أنا هو الرب إلهك. لأنك لم تشفق على وحيدك من أجلي أقسمت بذاتي إني بالبركة أباركك وبالكثرة أكثر نسلك كنجوم السماء ورمل البحر. فحوّل إبراهيم بصره نحو الصوت فرأى خروفاً موثقاً بقرنيه فحلَّ وثاق ابنه وذبح الخروف عوضاً عنه.
وكما ناب الخروف عن إسحق كذلك ناب المسيح عنّا على عود الصليب. وكما حمل إسحق حطب المحرقة هكذا حمل مخلصنا خشبة الصليب التي صُلب عليها. وكما قضى إسحق متغرباً عن أمه ثلاثة أيام هكذا أيضاً قضى مخلصنا في القبر ثلاثة أيام. يا الله الذي قبل إليك ذبيحة أبينا إبراهيم إقبل منا نحن أيضاً هذه الذبيحة في هذه الساعة ، بارك الذين قدموها والذين قُدِّمَت عنهم. من أجل هذا نسألك يا سيدنا طهرنا من كل خطية واسمعنا عندما ندعوك قائلين: أبانا الذي...
*يمكن أن تقال القسمة القصيرة بدلاً منها